قصة نور والمفتاح الخشبي
قصة نور والمفتاح الخشبي
في طرف قريةٍ هادئة تحيط بها الحقول الخضراء من كل جانب، كان يعيش طفلٌ يُدعى نور، لم يكن مختلفًا عن باقي الأطفال في عمره، لكنه كان يمتلك قلبًا واسعًا وعينين تلمعان بالفضول وحب الاكتشاف.
كان نور يحب الجلوس قرب نافذة غرفته كل مساء، يراقب الشمس وهي تغيب خلف الأشجار، ويتخيل أن لكل مكانٍ حكاية، ولكل بابٍ سرًّا ينتظر من يكتشفه.
لم يكن يعلم أن يومًا واحدًا فقط كفيل بأن يغيّر نظرته للعالم، ويعلّمه درسًا سيبقى في ذاكرته ما عاش.
بداية الحكاية
في أحد أيام الصيف، قررت مدرسة القرية تنظيم رحلة قصيرة للأطفال إلى أطراف الريف المجاور، حيث الطبيعة الواسعة والهواء النقي. كان نور من أكثر الأطفال حماسًا، فقد أحب دائمًا الأماكن الهادئة التي تهمس بالحكايات.
وصل الأطفال برفقة المعلمة إلى منطقة قديمة، تضم بيوتًا طينية مهجورة، وأشجارًا عتيقة بدت وكأنها تحرس المكان منذ مئات السنين.
وقفت المعلمة وقالت بحزم:
“تذكروا يا أطفال، لا يبتعد أحد عن المجموعة، ولا تدخلوا أي مكان مغلق.”
هزّ الجميع رؤوسهم موافقين… إلا أن الفضول كان أقوى من التحذير.
البيت القديم
بينما كان الأطفال منشغلين باللعب، لمح نور بيتًا صغيرًا في آخر المكان، بابه الخشبي متآكل، ونوافذه مغطاة بالغبار.
اقترب بخطوات مترددة، وشعر بشيء غريب يجذبه نحوه، وكأن البيت يناديه بصوتٍ خافت.
دخل نور بهدوء، فوجد المكان مظلمًا إلا من شعاع ضوء يتسلل من سقف مكسور. وعلى الأرض، رأى مفتاحًا خشبيًا صغيرًا، يلمع بطريقة غريبة.
حمله نور بين يديه، وشعر بدفءٍ يسري في كفه، وكأن المفتاح ليس قطعة خشب عادية.
السر يبدأ
فجأة، سمع صوت المعلمة تنادي الأطفال للاستعداد للعودة، فأخفى نور المفتاح في جيبه، وخرج مسرعًا دون أن يخبر أحدًا بما وجد.
في تلك الليلة، لم يستطع النوم. ظل ينظر إلى المفتاح، يقلبه بين يديه، ويتساءل:
“لأي بابٍ ينتمي؟ ولماذا شعرت بهذا الإحساس الغريب عندما لمسته؟”
قرر نور في صباح اليوم التالي أن يعود وحده إلى المكان، رغم علمه أن ذلك قد يكون خطأ.
الرحلة السرية
تسلل نور بعد العصر، وسار عبر الحقول حتى وصل إلى البيت القديم.
وما إن اقترب، حتى لاحظ بابًا جانبيًا صغيرًا لم يكن قد رآه من قبل.
أخرج المفتاح الخشبي، وبقلبٍ يخفق بسرعة، أدخله في ثقب الباب…
ودار المفتاح بسهولة!
فتح الباب ببطء، فوجد غرفة صغيرة مليئة برسومات أطفال قديمة، ودفاتر مهترئة، وألعاب خشبية مكسورة.
- قصص قصيرة ذات معنى: حكايات عميقة بعِبر لا تُنسى (قصص أطفال)
- قصة قوم ثمود: من الحضارة إلى العذاب (قصص من القرأن)
جلس نور على الأرض وبدأ يقلب الصفحات، فقرأ اسم طفلٍ كُتب مرارًا: سليم.
قصة سليم
من خلال الدفاتر، فهم نور أن سليم كان طفلًا عاش في هذا البيت قبل سنوات طويلة، وكان وحيدًا، يحب الرسم والكتابة، لكنه لم يجد من يسمعه أو يهتم به.
كتب سليم في إحدى الصفحات:
“أتمنى أن يأتي يوم، يقرأ فيه أحد قصتي، ويعرف أنني كنت هنا.”
شعر نور بغصة في قلبه، وأدرك أن المفتاح لم يكن صدفة، بل رسالة.
الصراع الداخلي
عاد نور إلى منزله حزينًا، وهو يفكر:
هل يخبر أحدًا؟
هل سيصدقه الكبار؟
أم يترك الأمر ويمضي؟
في اليوم التالي، حاول تجاهل الأمر، لكنه لم يستطع.
كان يشعر أن عليه مسؤولية، وأن الصمت خيانة لذكرى طفلٍ لم يجد من يسمعه.
المواجهة
جمع نور شجاعته، وتوجه إلى معلمته، وروى لها كل ما حدث.
استمعت إليه باهتمام، ثم ابتسمت وقالت:
“أحسنت يا نور، لأنك لم تحتفظ بالسر لنفسك.”
ذهبت المعلمة مع إدارة المدرسة إلى المكان، وتم توثيق القصة، وتحويل البيت إلى مكتبة صغيرة للأطفال تحمل اسم “مكتبة سليم”.
الذروة
في يوم الافتتاح، وقف نور بين الأطفال، ونظر إلى البيت الذي لم يعد مهجورًا، بل مليئًا بالضحكات والكتب.
شعر أن المفتاح الخشبي أدّى مهمته، فوضعه في صندوق صغير داخل المكتبة، مع لوحة كتب عليها:
“القصص لا تموت… ما دام هناك من يقرأ.”
الخاتمة
عاد نور إلى نافذته في المساء، لكنه لم يعد ينظر للعالم كما كان.
أدرك أن الفضول ليس خطأ، وأن الشجاعة في قول الحقيقة قد تغيّر أشياء كثيرة.
حكاية إنسانية بسيطة، تذكّر الأطفال بأن لكل إنسان قصة، وبأن الكلمة الصادقة قد تفتح أبوابًا لا تُفتح بالمفاتيح العادية.
التعليقات (1)
جميلة
اكتب تعليقاً